التضليل عثرة في طريق تطور رياضة المحركات

 إيصال سائقين وسائقات عرب إلى أعلى مستويات السباقات العالمية أمر ينقصنا،  لكنه ممكن بالتأكيد، إلا أن هناك عثرة أساسية تقف بوجهه. نستعرضها لكم بالوقائع دناه.

شهدت منطقتنا العربية فورة في عالم رياضة المحركات، بدءاً من استضافة أول سباق فورمولا 1 في المنطقة في حلبة البحرين الدولية عام 2004، وقدوم بطولة العالم للـ موتو جي بي إلى قطر، مروراً بجائزة أبوظبي الكبرى وإنشاء حلبات بمواصفات عالمية في عدة دول مثل الكويت والمغرب، وصولا إلى استضافة سباق فورمولا إي في المغرب ومن ثم في الدرعية وقدوم رالي داكار إلى المملكة العربي السعودية وإطلاق مشروع لاستضافة سباق فورمولا 1 أيضاً في القدية، إضافة إلى استضافة سباقات سوبر بايك وسباقات سيارات سياحية وإقامة بطولات إقليمية مثل بطولة الفورمولا 4 الإماراتية، وبطولات الراليات الصحراوية ودخول الأردن لفترة وجيزة على روزنامة بطولة العالم للراليات إلخ…

كانت السنوات الـ 15 الأخيرة بمثابة حلم لكل من يعشق رياضة المحركات، بل حتى أننا ما كنا لنحلم بذلك. منذ 2004 ونحد في تطور مستمر وسعي متواصل للارتقاء بمنطقتنا إلى المستوى العالمي في رياضة المحركات. وبالفعل نجحنا بذلك في عدة مجالات، فمراقبي المسار “مارششالز” في حلبة البحرين يُستعان بهم حول العالم، وبات منهم مراقبون معتمدون لدى الاتحاد الدولي، وتنظيم الأحداث يفوق ما نراه في بعض الدول الأوروبية، كما رفعنا المستوى التنظيمي لبعض الأحداث مثل الراليات الصحراوية من خلال رالي قطر كروس كانتري ورالي أبوظبي الصحراوي إلخ…

سلسلة طولية من الحلقات، لكنها بالتأكيد تفتقر لحلقة أساسية لتكتمل، وأراهن أنكم عرفتم ما هي قبل قراءتها. إنها سائق / سائقة عربي / عربية في بطولة عالمية قوية. ليس لمجرد المشاركة، بل لمقارعة الأفضل والفوز في سباقات الحلبات.

لتحقيق ذلك يجب اتخاذ خطوات عديدة، وسلوك درب مليئة بالتحديات والتضحيات لكنها بالتأكيد تستحق ذلك، وخير مثال على ذلك القطري ناصر صالح العطية، ولا يقل عنه شأناً السعودي يزيد الراجحي والإماراتي الشيخ خالد القاسمي وربما خسرنا بعض الأبطال المحتملين عن ساحة الراليات الصحراوية مع غياب محمد أبو عيسى، وابتعاد السائق القطري عبد العزيز الكواري عن الجلوس خلف المقود في وقت كان يستمر مستواه بالتحسن مع مشاركاته في بطولة العالم للـ “دبليو آر سي 2” وبطولة الشرق الأوسط للراليات، ولا ينتهي العد بوجود سائقين كثر في منطقتنا…

لكن دعونا نعود إلى سباقات الحلبات. أي اسم جاء وترك أثراً؟ أجيبكم أنا: زيد أشكناني، لكنه بحاجة لدعم أكبر والمشاركة بسباقات أكثر. المشاركة الموسم الماضي ببطولة بلانبان لسباقات التحمل لا تكفي إطلاقاً، ولنفكر كيف وصل أشكناني إلى هنا… تضحية ومثابرة وجهد وموهبة لكن بدعم غير كافٍ. أيضاً لدينا العُماني الفيصل الزُبير، الذي يشارك من جيبه الخاص في البطولات العالمية بعد أن شارك بسباقات المقعد الأحادي في أوروبا في بداية مسيرته. ولا ننسى هنا سلسلة من الأسماء التي مثلت منطقتنا خير تمثيل مثل الأمير عبدالعزيز تركي الفيصل والإماراتي خالد القبيسي والعُماني أحمد الحارثي ونأسف لعدم ذكر الباقين، فجميعهم بذلوا مجهوداً في سبيل الوصول.

لكن صناعة الأبطال أكبر من ذلك بكثير، وفيها دهاليز لا تنتهي، والأمر لتجنب أن يتوه السائق في هذه الدهاليز هو المعرفة والإرشاد وتخصيص الموارد والاستثمارات في المكان والزمان الصحيحن.

أمر لفت نظري. على سبيل المثال لا الحصر، نقرأ في أحد المقالات في موقع جامعة الأخوين المغربية أنهم يكتبون عن سائق السيارات السياحية المغربي مهدي بناني أنه “ليس أول سائق مغربي يفوز بلقب بطولة العالم للفورمولا 1، بل هو السائق الأول في أفريقيا والعالم العربي”.

هذا  الأمر بحد ذاته تضليل للوقائع، ويضر أكثر ما ينفع لأنه غير صحيح لا من قريب ولا من بعيد ولا يمثل الصورة الفعلية للملكة المغربية التي استضافت جائزة كبرى مُدرجة على روزنامة بطولة العالم للفورمولا 1 عام 1958، وندرك أن ليبيرتي ميديا تسعى للتوسع وإعادة القارة السمراء إلى جدولها، وبأن المغرب من أبرز المرشحين لاستضافة سباق فورمولا 1، ولا ننسى أن المغرب تستضيف سباق فورمولا إي أيضاً…

وفي مقال آخر في موقع Leconomiste، يأتينا مدير حلبة مولاي حسن ستيفان رو ليقول: “حاولنا جاهدين خلال الأعوام الماضية إخراج عدة سائقين مغربيين. لسوء الحظ، مهدي هو الوحيد بهذا المستوى العالمي في بطولة عالمية. ومنذ حين لم يعد خلف المقود، بات من الصعب بالنسبة لنا كمروّجين لنجد مشاركين في شهر واحد ونضف الشهر قبل الحدث”.

بعده وفي المقال نفسه يستفيض مالك الشركة المروّجة للبطولة “يوروسبورتس إيفنتس” فرانسوا ريبيرو بكلام أجمل ويقول: “مهدي بناني، السائق الأمهر في المغرب، لم يعد موجوداً على ساحة الـ دبليو تي سي آر، تنظيم الحدث من دون مشاركته ودعم يعني ببساطة أنه ليس من الممكن أن نشهد نهاية أسبوع بالجودة التي رأيناها دائماً في مراكش”.

عذراً سيد ريبيرو، أولاً أنت شخص أوروبي، وتعرف أن رياضة المحركات ليست سائقاً ولا فريقاً ولا حلبةً… بل هي ثقافة وتنمية واستراتيجية قد تكون طويلة الأمد ولسنوات عديدة، وهنا نستشهد بالمملكة العربية السعودية، التي تستضيف سباق فورمولا إي وتستضيف رالي داكار لعشرة سنوات، إضافة إلى إطلاق مشروع إقامة حلبة فورمولا 1 في مدينة القدية الترفيهية، لا وبل الأهم في ذلك إطلاق مشروع شراكة بين “نيوم” ومرسيدس، وترقبوا في المستقبل الإعلان عن شراكات مماثلة لتطوير المواهب في شتى مجالات رياضة المحركات.

النهوض برياضة المحركات على أسسس صحيحة يتطلب رؤية صحيحة مبنية على البحث عن المواهب “الفعلية” وتطويرها ودعمها والاستثمار الصحيح فيها، لتعود هي بفائدة كبيرة لصورة البلد. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم من دون ذوي الاختصاص، فهذه القفزة في السعودية كان على رأسها سمو الأمير عبداالعزيز بن تركي الفيصل، وهو سائق سباقات محترف ويعؤرف هذه الدهاليز جداً، وتولى مؤخراً منصب وزير الرياضة في المملكة.

لمن يسمع تصاريح رو وريبيرو، يعتقد أنهما ربما قد يكونان محقين، لكن أردنا التأكد من الأمر مع نائب رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ورئيس لجنة تسلق الهضبة في العالم ومنسق رياضة السيارات في النادي اللبناني للسيارات والسياحة عماد لحود عن رأيه بالمواهب الشابة في المغرب، عقب زيارته العامين الماضيين إلى المغرب في برنامج تطوير المواهب الشابة المدعوم من الاتحاد الدولي للسيارات.

وقال لحود لموقعنا: “في المرة الأولى التي زار فيها برنامجنا المغرب تفاجأنا بالشغف الموجود لدى هؤلاء الصبية والشبان لرياضة المحركات. لكن ما اتضح لنا أن إرشاد الموارد غير سليم، خاصة في أيامنا هذه لأن عالم صناعة الأبطال متطوراً ودقيقاً جداً والموهبة وحدها لا تكفي”.

وأضاف: “في زيارتنا الثانية، لاحظنا تغييراً في نظرة المشاركين، خاصة هؤلاء الذين شاركوا بالبرنامج للمرة الثانية. استفادوا كثيراً من الخبرات التي حصّلوها من المرة الأولى، ورأينا التزاماً أكبر منهم وتطوراً كبيراً على صعيد اللياقة البدنية والاتزام، وبالتالي كل ما نحتاجه هو توجيه صحيح ودعم لهذه المواهب الشابة لنرى كثيرين منهم ينافسون وبقوة في أعلى المستويات العالمية، وهذا أنا أمر واثق منه بحسب ما رأينا في برنامجنا حول العالم”.

وختم لحود حديثه قائلاً”: الوضع متشابه بنسب متفاوتة في معظم دول منطقتنا، لكننا نعمل مع الاتحادات المحلية وبالتعاون مع الاتحاد الدولي للسيارات على إيصال هذه المواهب إلى الساحة العالمية، ولقد بدأنا نرى تحسناً لافتاً في جميع الدول التي زرناها وسنواصل عملنا إلى الوصول إلى هدفنا، وأعتقد أن المغرب من بين الدول الأكثر حظاً لبلوغ ذلك في وقت قريب جداً”.

حسناً لنعكس كلام لحود هنا. وجّهوا – ادعموا – تجدوا… لا أعلم أين كان السيد رو يبحث بقوله ” حاولنا جاهدين خلال الأعوام الماضية إخراج عدة سائقين مغربيين”، وأي مواهب كان يعمل على تطويرها، وما هي الخطط التي وُضعت في سبيل تطوير مواهب ولم تنجح مع السيد رو؟

كلامه دعائي محض، وإن لم يكن كذلك، فليقدم برامجه التي سعى من خلالها لتحقيق ما يدعيه. هذا أكثر من عادل…

برنامج النادي اللبناني للسيارات والسياحة بضفته جهة رسمية مخوّلة التدريب عالمياً (حاذ البرنامج على المرتبة الأولى عالمياً)، خلال 4 أيام فقط تمكن من استكشاف مواهب ومعرفة قدراتها. إذا إما كان برنامج السيد لو غير مجدٍ أو أنه لم يشأ أن يكون مجدياً…

أما بالنسبة للسيد ريبيرو، نحن نتفهم أن الأولية للمروّج هي المردود المالي، ولا يأتيني من يود أن يقنعني بأن بناني صاحب الـ 36 عاماً هو شوماخر المغرب… فهو أنهى الموسم الأخير للبطولة بالمركز 25 من أصل 26 سائق شاركوا بالموسم كاملاً. نعم فاز ببضعة سباقات في البطولة سابقاً لكنها جاءت بشبكة انطلاق عكسية ومع الفريق البطل (سيباستيان لوب ريسينغ).

إذا نحن هنا أمام عامل تضليل آخر وربما يكون أخطر من الأسباب الأخرى التي ذكرنا والتي تحول دون وصول سائق عربي إلى الفورمولا 1 أو على الأقل بلوغ مستويات عالمية في عالم سباقات الحلبات. أهداف ريبيرو واضحة وهي الحرص على إقامة سباق السيارات السياحية في المغرب لضمان المردود من حلبة مولاي حسن، التي بدورها تحظى بدعم أكبر من الجهات الحكومية المحلية لإقامة هكذا سباق.

التضليل لم يقتصر فقط على رو وريبيرو، بل عمل عليه بناني بنفسه وبطريقة محنّكة ويمكن تمريرها على شريحة واسعة من المعنيين. ففي أحد الفيديوهات على يوتيوب لقناة “سلطانة”، يفاخر بناني بأنه فاز بلقب الكأس في بطولة عالمية في قطر (التي استضافت الجولة الأخيرة لموسم 2016)، بل ويكرر ذلك أكثر من مرة في الفيديو نفسه.

وفي مقابلة أخرى يقول بناني أيضاً إنه فاز بلقب كأس بطولة العالم للسيارات السياحية “دبليو تي سي سي”، ويزعم أنه حقق 26 منصة و9 انتصارات، وبعدها في المقابلة تطرح عليه مقدمة البرنامج أحد المقالات بعنوان “فضيحة.. وزارة الشباب والرياضة تمنح 200 مليون لـ “مهدي بناني” الذي لم يفز بأي بطولة عالمية طيلة 10 سنوات، ويكون رده نكران الأمر ويصف من كتب هذا المقال بالغيرة…

صحيح أن مهدي بناني فاز بكأس السائقين المستقلين في البطولة (وبمعنى آخر هذا الكأس مخصص للسائقين غير المنضمين إلى فرق المصانع أو يمكن القول إنه كأس مخصص للهواة) وبالتأكيد لم يكن فوزه بالبطولة، التي بأعلى مستوياتها قدلا ترقى إلى مستوى بعض بطولات الفورمولا 4 حول العالم. وبالتالي في بطولة لا تتمتع بهذا المستوى التنافسي الكبير، اقتصر فوز بناني على مأس الهواة فيها.

وهنا نعود إلى كلام ريبيرو أن “مهدي بناني، السائق الأمهر في المغرب”. حسناً هل أن سائق فاز بكأس للهواة وبصفوف الفرق الذي سيطر على البطولة هو فعلياً السائق الأمهر في المغرب؟ أم أن هذه بحد ذاتها إهانة لمستوى السائقين ورياضة المحركات في المغرب؟ وماذا عن كلام رو عن محاولة البحث عن مواهب؟ أين تم البحث وما هي الخطط التي وُضعت وما هي الخطوات التي اتُخذت ولم تأتِ بثمارها. أي نوع من التضليل هذا؟ ومن يضللون؟

المقال الذي نكره بناني صحيح. فلا دخان من دون نار وهو حقق 11 منصة في البطولة بسباقات انطلق فيها السائقون بترتيب معكوس لشبكة الانطلاق. وكلّف فريقه مرات عديدة خسارة سباق “ماك 3”.

خلاصتنا من هذه الأفكار التي تشاركتها معكم، هي أنه علينا التفكير بالتالي، إيصال سائقين عرب إلى العالمية من خلال التوجيه الصحيح للمواهب الشابة، وتجنب التضليل والتركيز على من يملك الموهبة الفعلية ودعمه ليكون بطل المستقبل، ويجب أن يتحلى المسؤولون بقدر كافٍ من المعرفة أو ربما الاستعانة بذوي الاختصاص لمعرفة واقع الأمور وعدم الانجرار وراء التضليل وبالتالي تخصيص الموارد في المكان غير الصحيح.

الدعم المادي موجود في المغرب، ولا لوم على الجهات المسؤولة للتقصير في هذا الشق، لكن لسوء الحظ سياسة التضليل تحول دون إرشاد الموارد نحو السائقين الموهوبين والقادرين فعلاً على رفع العلم المغربي في المحافل الدولية، وهنا يقع اللوم على الرعاة ومن هو معني بإدارة الدعم ليسلك اتجاهه السليم.

أخبار ذات صلة