تحليل: انسحاب مرسيدس في النمسا لا يبرر الأخطاء الاستراتيجية

تابعونا على

سباق جائزة النمسا الكبرى، لموسم 2018 من بطولة العالم للفورمولا 1، كان كارثياً بالنسبة لفريق مرسيدس على كافة المقاييس. ولكن الانسحاب المزدوج من السباق لا يعتبر أسوأ من استمرار ارتكاب الفريق لأخطاءٍ استراتيجية. 

 حتى قبل خروج أية سيارة فورمولا 1 إلى حلبة ريد بُل رينغ التي استضافت تاسع جولات الموسم، كانت هناك عدة مؤشرات حول إمكانية تفوّق مرسيدس على كافة المنافسين.

حزمة ضخمة من التحديثات الانسيابية الجذرية جلبها فريق مرسيدس لسيارة ‘دبليو 09’، وصفها لويس هاميلتون على أنها بمثابة القطع الجديدة الأولى في هذا الموسم، لتترافق مع تحديثات المحركات التي جلبها الفريق في جولة فرنسا السابقة.

هذه العوامل انعكست على أداء مرسيدس، مع تمتع الأسهم الفضية بسرعةٍ جيدة جداً طوال مجريات التجارب، ومن ثم تفوق فالتيري بوتاس على زميله لويس هاميلتون للحصول على مركزي الانطلاق الأول والثاني بفارق حوالي 0.3 ث عن أقرب المنافسين، سائق فريق فيراري سيباستيان فيتيل.

مساء السبت، كان من شبه المستحيل توقّع إمكانية اعتلاء أي سائق آخر باستثناء بوتاس أو هاميلتون إلى العتبة الأعلى في منصة التتويج.

الجميع يعلم ما حصل في سباقٍ جنوني على مدار 71 لفة في حلبة ريد بُل رينغ. انسحابٌ مزدوج لـ بوتاس أولاً، وثمّ هاميلتون، إثر مشاكل تقنية، وفوزٌ لسائق فريق ريد بُل ماكس فيرشتابن هو الأول له في الموسم الحالي، واستعادة فيتيل لصدارة ترتيب بطولة العالم للسائقين بفارق نقطة وحيدة أمام هاميلتون مع إنهائه السباق بالمركز الثالث.

اقرأ أيضاً: سباق مرسيدس أكثر سباق مؤلم لـ مرسيدس منذ أعوام

 لا بد لـ مرسيدس من التطرق لمشاكل الموثوقية التي تواجه وحدة الطاقة مؤخراً، والتي ترافقت مع جلب وحدة الطاقة بالمواصفات الجديدة في جولة فرنسا. منذ ذلك الحين، واجه بوتاس تسرباً في المياه في فرنسا، ومن ثم انسحابه في النمسا، إضافةً إلى مشكلة هاميلتون في النمسا، والمشكلة الهيدروليكية التي واجهت سائق فريق فورس إنديا سيرجيو بيريز، مع وحدة طاقة مرسيدس على متن سيارته، في تجارب فرنسا.

المشاكل الهيدروليكية ومشاكل أنظمة الوقود يمكن حلّها، في بعض الأحيان، دون الحاجة إلى استخدام قطع إضافية من وحدة الطاقة، وهذا أمرٌ ضروري لـ مرسيدس في ظل القيود الصارمة وإمكانية الحصول على عقوبات التراجع من مركز التأهل. ولكن على الصانع الألماني بذل مجهود كبير لاستيعاب ما حصل وتفادي تكراره في الجولات المقبلة.

ولكن من الجوانب الأخرى التي لا بد لـ مرسيدس من بذل مجهودٍ ضخمٍ لا يقل أهمية، الجوانب الاستراتيجية. بغض النظر عن انسحابه من السباق، فإن هاميلتون كان قد خرج من دائرة المنافسة على الفوز بسباق النمسا رغم تصدره بفارقٍ مريح في المرحلة الأولى.

تطبيق نظام سيارة الأمان الافتراضية إثر انسحاب بوتاس أدى إلى إجراء ثنائي ريد بُل وثنائي فيراري لتوقفاتٍ مزدوجة في اللفة ذاتها. في حالة فيراري، فيتيل خسر وقتاً ثميناً خلف رايكونن ولكنه أكد أن هذا القرار كان صائباً نظراً لأن التأخر في التوقف للفةٍ إضافية كان ليعني خسارة وقت أكثر.

تطبيق نظام سيارة الأمان الافتراضية يمنح السائقين، في بعض الأحيان، فرصة إجراء توقف صيانة ‘شبه مجاني’. لماذا؟

كافة السيارات تدور حول الحلبة بسرعةٍ منخفضة، وبالتالي فإن التوجه إلى منطقة الصيانة وإجراء توقف سيعني عدم تراجع السائقين بحوالي 20 ثانية أو أكثر كما هو الحال في ظروفٍ اعتيادية، وإنما خسارة حوالي 15 ثانية، أو حتى أقل في بعض الأحيان.

يبدو أن فريق مرسيدس يفتقر لتلك المرونة الاستراتيجية لإمكانية تغيير موعد إجراء توقفات الصيانة وفقاً لظروف السباق. عند تطبيق نظام سيارة الأمان الافتراضية في النمسا، لم يكن هاميلتون قد وصل إلى مدخل منطقة الصيانة بعد، وكان بإمكانه التوجه وإجراء توقف ومواصلة السباق في الصدارة. هذا ما استغله فريقا فيراري وريد بُل على أكمل وجه، وهذا ما لعب دوراً أساسياً في تحديد النتيجة النهائية للسباق.

هذه ليست المرة الأولى التي يرتكب فيها فريق مرسيدس مثل هذه الأخطاء. رأينا أخطاءً استراتيجية مشابهة في أستراليا، والصين أيضاً، وهي كانت مكلفةً جداً أيضاً وحالت دون الفوز بالسباقات.

على مرسيدس بذل مجهود كبير، وإجراء العديد والعديد من عمليات المحاكاة ووضع مختلف السيناريوهات لظروف السباق لضمان الاستجابة لإمكانية تغير الاستراتيجية بشكلٍ مثالي، ففي نهاية المطاف ألقاب الموسم الحالي ستكون من نصيب الفريق الأقل ارتكاباً للأخطاء، وهذا ما قاله مدير الفريق توتو وولف سابقاً…

كما أن الاستمرار بارتكاب مثل هذه الأخطاء الاستراتيجية، لا بد له من زعزعة ثقة السائقين بقرارات الفريق. الجميع سمع استياء هاميلتون أثناء حديثه مع فريقه خلال السباق، ومن جهةٍ أخرى الاعتذار المتكرر من طرف الفريق لهذا الخطأ، وبالتالي سيكون هناك تشكيك من قِبل هاميلتون بهذه القرارات في الجولات المقبلة في حال لم يعمل الفريق على إعادة الثقة.

 من جهةٍ أخرى، لا بد لنا من الإشارة إلى فريق فيراري أيضاً، وارتكابهم لخطأ قد يجدونه مكلفاً جداً في المراحل اللاحقة من الموسم مع اقتراب حسم الألقاب.

لم يكن بإمكان فيتيل منافسة مرسيدس في الحصة التأهيلية، ولكنه كان المنافس الأقرب، في المركز الثالث على شبكة الانطلاق، قبل قرار لجنة التحكيم بمعاقبته وإرجاعه ثلاثة مراكزٍ من مكان تأهله.

فيتيل لا يتحمل مسؤولية تأخيره لسائق رينو كارلوس ساينز في الحصة التأهيلية، وإنما الفريق يتحمل مسؤولية هذا التأخير بالكامل نظراً لأنه لم يخبره باقتراب ساينز. القوانين واضحة في هذا المجال، التأخير سيؤدي إلى التراجع من مركز التأهل، وهذا ما حصل مع الألماني.

ولكن نظراً لسرعة فيراري على مدار السباق بأكمله، وعدم مواجهة مشاكل ظهور تشققات على الإطارات الخلفية، ما الذي كان ليحصل في حال عدم حصول فيتيل على العقوبة وتمتعه بانطلاقةٍ جيدة؟ لربما كان فيتيل سيتجه إلى تحقيق فوزه الرابع في الموسم الحالي، وبدلاً عن تصدر البطولة بفارق نقطة يتيمة أمام هاميلتون، ربما كانت أفضليته ستصل إلى 11 نقطة.

انسحاب هاميلتون من سباق النمسا كان الأول له منذ انفجار محرك سيارته في سباق ماليزيا من عام 2016، ومثل هذه الانسحابات لن تتكرر على الدوام، ربما، وبالتالي كان على فيراري وفيتيل استغلال مثل هذه الظروف بأفضل طريقة ممكنة، وعدم الاكتفاء بـ ‘الحد من الأضرار’ مثلما قال فيتيل بعد نهاية السباق.

ثلاثةُ سباقاتٍ تفصلنا عن بدء العطلة الصيفية لموسم 2018. نتجه الآن إلى حلبة سيلفرستون نهاية الأسبوع الحالي، حيث من المتوقع أن تكون الأفضلية لـ مرسيدس مع العديد من المنعطفات عالية السرعة. ولكن هذا الموسم يثبت لنا، جولةً تلو الأخرى، أن المفاجآت ستبقى سيدة الموقف في الفورمولا 1!

أخبار ذات صلة

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.