تحليل: فريق مرسيدس اختار الذكاء بدلا عن المتعة في سوتشي 

تابعونا على

كافة مشجعي وعشاق بطولة العالم للفورمولا 1 ينتظرون معارك محتدمة بين مختلف السائقين، سواءً كانوا من نفس الفريق أو من فرقٍ مختلفة. فريق مرسيدس لم يتح ذلك في سباق جائزة روسيا الكبرى، الجولة 16 من موسم 2018، ولكن كانت لديه أسبابٌ منطقية للقيام بذلك. 

على مدار الموسم الحالي من بطولة العالم للفورمولا 1، كانت التوقعات تشير إلى إمكانية وجود منافسة محتدمة حتى الجولات الأخيرة من الموسم بين سائق فريق مرسيدس لويس هاميلتون، وسائق فريق فيراري سيباستيان فيتيل، في ظل التقارب الكبير في الأداء بين الثنائي. 

وفي حين أن فريق فيراري كانت لديه السيارة الأسرع، على الأقل بين جولتي بريطانيا وإيطاليا، إلا أن فيتيل لم يستغل ذلك لتسجيل أكبر عدد ممكن من النقاط، بسبب عدة عوامل، منها ارتكاب الأخطاء. 

ولكن هناك جانب لم يتقن فريق فيراري التعامل معه في الموسم الحالي، ألا وهو إدارة العلاقة بين فيتيل وزميله كيمي رايكونن في التسابق ضد بعضهما البعض في الحلبة. 

ربما السمعة التاريخية لفريق فيراري باللجوء إلى أوامر الفريق، منذ حقبة مايكل شوماخر / روبنز باريكيللو، ومن ثم فرناندو ألونسو / فيليبي ماسا، هي التي أدت إلى وجود هذا الارتباك والإظهار بأن الفريق يريد منح فرص متساوية لسائقَيه. 

الفورمولا 1 رياضة جماعية، وفي نهاية المطاف من الطبيعي أن نصل إلى مرحلةٍ من الموسم، في أي عامٍ، يكون فيها لبعض الفرق سائق أساسي هو الذي ينافس على اللقب، وسائق ثانوي عليه لعب دور مساند للسائق الأساسي. 

منذ المراحل المبكرة من الموسم، كان من الواضح تفوق فيتيل على رايكونن، رغم إظهار الأخير لمستوى أداء أفضل مما حصل في الأعوام الماضية. إلا أن فريق فيراري اختار عدم وضع سياسة واضحة بخصوص منح فيتيل صفة السائق الأساسي ومنح رايكونن صفة السائق الثانوي. 

بدلاً عن ذلك، كانت هناك محاولات دائمة لبذل مجهود كبير لوضع فيتيل أمام رايكونن، سواءً عن طريق الاستراتيجية أو العديد من الجوانب الأخرى، التي كانت مربكةً في بعض الأحيان مع عدم إمكانية فهم وجهة نظر فيراري. 

هذا الارتباك وصل إلى رايكونن بنفسه أيضاً في جولة ألمانيا، عندما أراد الفريق إيجاد ‘وسيلة’ لضمان تقدم فيتيل إلى المركز الأول، وفي نهاية المطاف قال رايكونن لفريقه ‘إذا تريدون مني إفساح المجال لـ فيتيل، فقط أخبروني بذلك’. 

أي سائقٍ في هذا الوضع سيدرك أن عليه لعب دور ثانوي في مرحلةٍ من المراحل. حتى بالنسبة لـ فالتيري بوتاس، بعد ما حصل في روسيا، فإن الفنلندي كان مستاءً جداً، ولكن في الوقت ذاته هو يتفهّم أسباب ما قام به الفريق، ومن المستبعد أن يؤدي ذلك إلى وجود توتر في العلاقة بينه وبين هاميلتون، أو بينه وبين مرسيدس بشكلٍ عام.

هذا الأسلوب في التعامل يؤدي إلى وجود نوع من التوتر، ومن المذهل مقارنة اختلاف النهج بين فيراري ومرسيدس في هذا المجال عند المقارنة بين جولتي إيطاليا وروسيا. 

في إيطاليا، انطلق كيمي رايكونن من المركز الأول أمام سيباستيان فيتيل. كان من الواضح أن هناك حرية من فيراري للسماح للسائقَين بالتنافس ضد بعضهما البعض، ما أدى إلى وضع فيتيل في مأزق، إذ كان عليه محاولة الهجوم على رايكونن، ومن ثم الدفاع عن مركزه ضد هاميلتون، ما أدى إلى ارتكابه لخطأ ليتراجع إلى المركز الأخير. 

أما في روسيا، فإن فالتيري بوتاس ضمن التواجد أمام لويس هاميلتون، دون منافسته، وساعده على الاستفادة من الأثر الانسيابي، ليضمن هاميلتون الاحتفاظ بالمركز الثاني أمام فيتيل، ومن ثم لجأ فريق مرسيدس إلى أوامر الفريق لضمان تقدم هاميلتون إلى المركز الأول. 

ما قام به فريق مرسيدس كان بسيطاً، واضحاً، ودون أية مشاكل. بينما يؤدي رفض فيراري الاعتراف بوجود سائق أساسي وسائق ثانوي إلى وجود ارتباك وإضاعة العديد من الفرص الثمينة. 

نعم، نريد متابعة منافسات رائعة، نريد متابعتها بين سائقَين من فريقٍ واحد جنباً إلى جنب. ولكن في بعض الأحيان، لا بد لنا من التفكير بوجهة نظر فريق مرسيدس أيضاً. 

هاميلتون كان متأخراً بفارق كبير عن فيتيل في ترتيب النقاط في إحدى مراحل هذا الموسم. ويمكن لأي انسحابٍ أو أية مشكلة أن تؤدي إلى تقارب الثنائي مجدداً. وبالتالي، لمَ لا يسعى الفريق إلى تبديل المراكز ببساطة ومنح هاميلتون سبع نقاط إضافية دون أي جهد؟

ما قام به فريق مرسيدس حرمنا من المتعة، صحيح، ولكن في الوقت ذاته الفريق تعامل مع الوضع بذكاء، وفكّر بأهمية المنافسة على لقب الموسم الحالي. هذه هي عقلية الفوز التي تقضي بأنه ‘لا شيء مضمون’، وأنه يجب ضمان تسجيل السائق الأساسي لأكبر عددٍ من النقاط مهما كان الثمن، وإن كان ذلك يعني التعامل مع انتقاداتٍ لاذعة وُجِّهَت للفريق بعد نهاية السباق. 

كان على فيراري اتباع النهج ذاته في ألمانيا – دون التطرق إلى الخطأ الفادح الذي ارتكبه فيتيل في ذلك السباق والذي أدى إلى إهدار 25 نقطة – وكان يجب اتباع النهج ذاته في إيطاليا أيضاً. 

رأينا في اللفات الأخيرة من السباق بأن فيتيل اقترب كثيراً من بوتاس في مرحلةٍ من المراحل، ولكنه لم يتمكن من تجاوزه. في حال اختار فريق مرسيدس الإبقاء على سائقَيه كما هو الحال عليه، مع تصدر بوتاس أمام هاميلتون، ومن ثم مطاردة فيتيل لـ هاميلتون، كان الجميع ليعرب عن استغرابه واندهاشه بعدم سعي مرسيدس إلى تبديل المراكز في تلك الحالة. 

ماذا عن معركة اللقب إذاً؟ الفارق بين هاميلتون وفيتيل وصل إلى 50 نقطة في الوقت الحالي، مع تبقي خمس جولاتٍ. أي أن على فيتيل تقليص الفارق بمعدل 10 نقاط في كل جولة، وهو أمرٌ يبدو صعباً بعض الشيء. 

إلا أن التنبؤ بما يمكن حصوله في الفورمولا 1 يعتبر مستحيلاً. مشكلة تقنية وحيدة لـ هاميلتون قد تكون كفيلةً بإشعال المعركة على اللقب مجدداً. ولكن علينا أن ندرك، جميعاً، بأن ما قام به فريق مرسيدس كان صحيحاً من وجهة نظر الفريق، وهو الخيار الذي يعتبر منطقياً لضمان فوز سائقهم باللقب ودون المخاطرة بأية جانب إطلاقاً، وربما على فيراري اتباع النهج ذاته في الجولات المقبلة، واستغلال رايكونن لمحاولة لعبه لدورٍ ثانوي لمساعدة فيتيل في مهمته الصعبة. 

أخبار ذات صلة

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.