رأي: المحارب الذي ستفتقده حلبات الـ فورمولا 1 في 2023

“في الفورمولا 1، أنت بجودة النتيجة التي حققتها في آخر سباق”. نسمع تلك المقولة كثيرًا، ولا بد أنها تعتبر ملائمةً بالنسبة لسائقٍ لطالما أثبت تألقه وكان يُعتبر من الأفضل والأقوى، إلا أنه يجد نفسه الآن مُجبرًا على الابتعاد عن بطولة العالم في موسم 2023…

عندما أُعلن عن انضمام ريكاردو إلى ماكلارين لموسم 2021، وهو إعلانٌ جاء أثناء توقف الفورمولا 1 بالكامل إثر جائحة كوفيد-19 في 2020، أشاد الجميع بتلك الصفقة لفريق ماكلارين، مع اعتبار ريكاردو ‘النجم’ الذي تمكن الفريق من ضمّه ليضمن العودة والمنافسة في القمة.

لم يكن أي أحدٍ مخطئًا في ذلك الحين. كان ريكاردو، بالفعل، أحد أفضل السائقين وأكثرهم موهبةً على شبكة الانطلاق، وربما هذا الأمر صحيح حتى الآن، حتى في ظل المعاناة المهولة التي يمر بها مع الفريق منذ مشاركته معهم.

بالتأكيد، وفقًا للمعطيات الحالية، فريق ماكلارين محق بالتخلي عن خدمات ريكاردو. حسنًا، ربما ليس بهذا الأسلوب مع ‘فسخ’ عقده بالكامل، مقابل إفساح المجال أمام اليافع أوسكار بياستري ليبدأ مسيرته في الفورمولا 1، ولكن يمكن تفهّم دوافع ماكلارين بسبب عدم تحقيق ريكاردو للنتائج المرجوة.

ولكن، هذا الأمر، وتراجع أداء ريكاردو في 2021 و2022، لا يجب أن ينسينا حقيقة الأداء المميز الذي أظهره الأسترالي في مسيرته الاحترافية.

لم يلفت ريكاردو الأنظار في بداية مسيرته في الفورمولا 1 مع ‘أتش أر تي’ ثم مع فريق تورو روسو، والجميع ارتأى أن فريق ريد بُل لديه سائق مساند مثالي لمساعدة سيباستيان فيتيل بعد اعتزال مارك ويبر، عندما انضم ريكاردو إلى صفوف الفريق في 2014.

ولكن، هنا بدأ نجم ريكاردو يسطع في سماء الفورمولا 1، مع إظهار الأسترالي لسرعةٍ مميزة، وقدرة على إدارة سباقاته، إضافةً إلى تجاوزاته الجريئة التي اشتهر بها، والتي لربما كان أجملها في موسم 2014، وهو الموسم الأول له في التواجد في الصدارة، على زميله فيتيل في جائزة إيطاليا الكبرى.

ريكاردو فاز بثلاثة سباقاتٍ مع ريد بُل في ذلك الموسم، وتفوق، بأريحيةٍ كبيرة، على زميله الذي كان قد فاز بلقب بطولة العالم في الأعوام الأربعة الماضية، ودفعه إلى الرحيل عن ريد بُل للانتقال إلى فيراري والبدء بتحدي جديد في مسيرته الاحترافية.

حتى في الأعوام التالية، استمرت ‘سمعة’ ريكاردو. هو سائق يبتسم على الدوام، يضحك كثيرًا، ولكن لحظة جلوسه داخل مقصورة القيادة، لحظة ارتدائه للخوذة، يصبح محاربًا شرسًا يسبب صداعًا كبيرًا لكل سائق يراه في مرآته أثناء السباقات.

عندما انضم ماكس فيرشتابن إلى فريق ريد بُل في جائزة إسبانيا الكبرى في 2016، كان من الطبيعي عدم اعتباره سائق مساند، ولكن في الوقت ذاته لم يكن ريكاردو سائقًا مساندًا لـ فيرشتابن، مع تواجد الثنائي جنبًا إلى جنب، ولعب نفس الدور، ونفس الأهمية، ضمن صفوف ريد بُل، ووجود تقارب كبير في الأداء بينهما في تشكيلة سائقين لطالما وُصفت بأنها ‘من الأقوى’.

هناك العديد من السباقات المميزة في مسيرة ريكاردو، من ضمنها تلك المنافسة المميزة بينه وبين فيرشتابن في سباق ماليزيا في 2016، والتي انتهت بفوزه بالسباق، إضافةً إلى الجرأة الكبيرة عندما تمكن من تجاوز 3 سيارات في منعطف واحد، في حلبة مدينة باكو، في طريقه للفوز بسباق جائزة أذربيجان الكبرى في 2017.

حتى في الموسم الأخير لـ ريكاردو مع ريد بُل في 2018، والذي شهد معاناته من العديد من مشاكل الموثوقية وسوء الحظ، بالترافق مع بدء تفوق فيرشتابن عليه، فإن ريكاردو أكمل أحد أفضل سباقاته في الصين، عندما انطلق من مؤخرة الترتيب، واستغل أفضلية الإطارات لإكمال سلسلة من التجاوزات الجريئة في طريقه للفوز.

تجاوزات ريكاردو من ذلك السباق متواجدة في مختلف مقاطع الفيديو، ويمكن فيها ملاحظة تلك ‘الجرأة’ عندما يقوم بتأخير الكبح، من مسافةٍ بعيدة جدًا خلف السائق المتواجد أمامه، ورغم ذلك يتمكن من المحافظة على سيارته، المحافظة على مساره، والتجاوز بنجاح.

هذا هو الأسلوب الذي لطالما اشتهر به ريكاردو، هذا هو النهج الذي دفع العديد لاعتباره من الأقوى والأفضل على شبكة الانطلاق.

اقرأ أيضًا: ريكاردو سائق مختلف عن الذي تواجد مع ريد بُل

بالتأكيد، منذ انضمام ريكاردو إلى رينو في 2019 و2020، ومن ثم انضمامه إلى ماكلارين في العامين الماضيين، كان من الواضح أنه عانى من عدم إمكانية العودة إلى المستويات التي أظهرها مع ريد بُل.

هل اختفت سرعته؟ هل ضاعت موهبته؟ لا، بالتأكيد، هو ما زال ذلك السائق. لكن سيارات الفورمولا 1 تتطلب حساسيةً كبيرةً أثناء القيادة، وتختلف استجابتها بشكلٍ ملحوظ بين فريقٍ والآخر.

ريكاردو اعتاد على أسلوبٍ معين في القيادة مع فريق ريد بُل، وهو أسلوبٌ كان ينجح معه، من خلال الكبح المبكر (عندما لا تكون هناك تجاوزات) لضمان إمكانية تثبيت السيارة واستقرارها، وليبدأ بالتسارع بأسلوبٍ مثالي.

ولكن، مع فريق ماكلارين على وجه الخصوص، لم يتمكن ريكاردو من إنجاح هذا الأسلوب في القيادة، نظرًا للاستجابة المختلفة للسيارة، التي تعتمد على انزلاق القسم الأمامي منها، مقابل ثبات القسم الخلفي، وهي تتطلب أسلوب قيادة مختلف.

هنا تأتي المعضلة بالنسبة لـ ريكاردو، الذي يدرك سبب المشكلة التي يعاني منها، ولكنه لم يتمكن من تعديل أسلوب قيادته للتأقلم، ولم يتمكن من إنجاح ما يقوم به زميله، الذي لا يتمتع بنفس خبرته، لاندو نوريس والذي تألق إلى جانب ريكاردو وأثبت نفسه كسائقٍ أساسي في ماكلارين.

تلك العوامل، من عدم تأقلم ريكاردو مع أسلوب قيادة جديد، ومعاناته إلى جانب نوريس، وعدم إمكانية معالجة نقاط ضعفه مع ماكلارين، دفعت الفريق إلى اتخاذ القرار بالاستغناء عن خدماته بهذا الأسلوب.

اقرأ أيضًا: نوريس عن ريكاردو: مساعدته مع السيارة ليست مسؤوليتي

هل كان ريكاردو محقًا بالرحيل عن فريق ريد بُل؟ قراره فاجأ حتى إدارة ريد بُل، التي كانت ترحب باستمراره معها. ربما، فقط ربما، هناك نوع من الندم لدى ريكاردو الذي لطالما أثبت قدرته على مقارعة فيرشتابن. ولكن من جهةٍ أخرى، ربما كان يشعر أن الفريق أصبح متمحورًا حول فيرشتابن، لا أحد سيعلم ما حصل خلف الكواليس في ذلك الموسم الذي كان ‘صعبًا ذهنيًا’ حسب تصريحات ريكاردو.

دانيال ريكاردو سيغيب عن الجوائز الكبرى كسائقٍ أساسي في موسم 2023. قد يعود في 2024، ولكن ربما يكون سباق أبوظبي هو الأخير في مسيرته، إلا أن الحلبات ستفتقد لهذا السائق الذي لطالما اشتهر بتجاوزاته الجريئة، وأسلوبه المميز في التسابق…

أخبار ذات صلة