رأي: تجارب برشلونة بين الإيجابيات وخيبة الأمل

انتهت التجارب الشتوية الأولى لموسم 2022 من بطولة العالم للفورمولا 1. موسمٌ يعد بالكثير، موسمٌ يمثل بداية حقبة جديدة في هذه الفئة الملكة من رياضة المحركات مع تغييراتٍ هي الأكبر في تاريخ البطولة العريق.

مع نهاية هذه الأيام الثلاثة، يبقى من الصعب جداً تحديد مستويات أداء مختلف الفرق. لكن تلك الأيام الأولى من التجارب في حلبة برشلونة الإسبانية، والتي أطلقت عليها إدارة الفورمولا 1 تسمية ‘تدشين’، منحتنا بعض البوادر حول الفرق التي تعتبر بوضعٍ إيجابي، وتلك التي من المؤكد أنها بدأت تشعر ببعض القلق وعليها تدارك العديد من المشاكل وتجاوز عدة عقباتٍ قبل تجارب البحرين، ومن ثم قبل جائزة البحرين الكبرى الافتتاحية للموسم.

بدايةً، لا بد من التنويه أن هذه القراءات لمستويات الفرق، وتقسيمها لثلاث مجموعات، لا تعتمد على سرعة كل فريق، وإنما بشكلٍ أساسي على الأداء والمستوى الذي ظهر به وعدم مواجهة مشاكل في تجارب برشلونة.

المجموعة الأولى

هذه المجموعة هي أقوى الفرق التي تابعناها في حلبة برشلونة الإسبانية، وهي فيراري، ماكلارين، مرسيدس، وريد بُل.

بشكلٍ عام، كانت تأدية فريق فيراري مثيرة للاهتمام. هناك تقدم ملحوظ على صعيد وحدة الطاقة، ترافقت مع تصريحاتٍ إيجابية من مدير الفريق ماتيا بينوتو الذي أكد تحسن قوة المحرك الذي يتميز بتصميم جديد لغرف الاحتراق، بينما استمرت فعالية أنظمة استعادة الطاقة التي اعتمدها الفريق خلال الثلث الأخير من العام الماضي.

عانى فريق فيراري من مشكلة الارتداد، وهي مشكلةٌ عانت منها العديد من فرق البطولة بسبب طبيعة عمل السيارات الجديدة واعتمادها على الأرضية في توليد ارتكازية السيارة، حيث كانت تلك المعاناة واضحة على الخطوط المستقيمة لعدة فرق.

ورغم أن فريق فيراري لم يكن من الأكثر تأثرًا بهذه المشكلة، لكنه عانى منها، واختبر حلولًا وتصميمًا معدّلًا لأرضية السيارة في اليوم الأخير من التجارب أدى إلى تحسن الوضع بشكلٍ ملحوظ، على أن يجلب الفريق بعض التعديلات والحلول الدائمة في تجارب البحرين المقبلة.

الفريق الأقل تأثرًا بمشكلة الارتداد كان فريق ماكلارين، الذي كان يعتبر من نجوم التجارب الشتوية حتى وإن لم يخطف الأنظار بتسجيل أسرع التواقيت.

موثوقية سيارة ماكلارين كانت مميزة بالفعل، وكان بإمكان الفريق إكمال عدد كبير من اللفات مع سائقيه لاندو نوريس ودانيال ريكاردو، مع سيارةٍ كان من الواضح أنها تتمتع بتوازن رائع، مع حلولٍ مبتكرة جدًا في تصميم الأرضية أدت إلى عدم المعاناة من مشكلة الارتداد، ومن المؤكد أن الفريق أصبح في وضعٍ جيد للمنافسة في الصدارة، ويعتبر من أقوى الفرق التي تابعناها في التجارب الشتوية.

بالانتقال إلى فريق مرسيدس، وهو أحد الفرق في تلك المجموعة الأولى التي ظهرت بمستوى جيد، يمكننا القول أن الفريق لم يكن ‘الأفضل’ ولم يترك ‘أقوى انطباع’ مع نهاية الأيام الثلاثة الأولى من التجارب، ولكن السيارة تبدو جيدة بالفعل.

بدايةً، الموثوقية جيدة، وحدة الطاقة تعمل بكفاءة عالية كما أنها تتمتع بقوة جيدة كما حصل العام الماضي، ولكن أمام الفريق “بعض العقبات” كما صرح نجمهم لويس هاميلتون الذي يسعى لتعويض خيبة أمل العام الماضي والعودة للفوز بلقبه العالمي الثامن في 2022.

فريق مرسيدس كان من الأكثر تأثرًا بمشكلة الارتداد، كما أن السيارة، ورغم فعاليتها، إلا أنها لم تكن من “الأكثر ابتكارًا” على صعيد الفتحات الجانبية والمناطق الانسيابية، ما أدى إلى وجود عدة تقارير وأنباء بأن الفريق يسعى لتكرار سيناريو 2019.

في ذلك العام، استخدم فريق مرسيدس سيارة بمواصفات مبدئية في الأيام الثلاثة الأولى من التجارب، لجمع معطيات عن الموثوقية، والتأكد من مطابقة البيانات بين المصنع والحلبة، ومن ثم جلب سيارةً معدلة ومطورة جذريًا في الأيام التالية وهي السيارة التي كانت ‘بمواصفات السباق’، والتي أدت إلى تمتعهم بأفضلية كبيرةٍ على المنافسين.

فريق مرسيدس فاز بلقب بطولة العالم للصانعين 8 مرات على التوالي، منذ بدء الحقبة الهجينة في 2014، ومن المؤكد أنه لا يمكن استبعادهم حتى في ظل هذه التغييرات الجذرية في القوانين.

الفريق الأخير في هذه المجموعة الأولى من أفضل أربعة فرق في الأيام الثلاثة الأولى من التجارب كان فريق ريد بُل.

من المؤكد أن الفريق، المتوج حديثًا مع سائقه ماكس فيرشتابن بلقب بطولة العالم للسائقين، خطف الأنظار عندما كشف عن سيارته رسميًا في اليوم الأول من التجارب، مع تصميمٍ مبتكر ومميز بالفعل لجوانب السيارة وفتحات التبريد، وجسم سيارة ضيق جدًا يسمح بتدفق أكبر كمية ممكنة من التيارات الهوائية إلى موزع الهواء الخلفي.

ورغم فعالية هذا التصميم، إلا أن التجارب لم تكن سلسة بالكامل للفريق، مع معاناته بشكلٍ ملحوظ مع الارتداد، وسط أنباءٍ بأن سيارة ‘أر بي 18’ من الأثقل وزنًا على شبكة الانطلاق، مع معاناة الفريق من عدم إمكانية الوصول إلى الحد الأدنى من الوزن المسموح به للسيارات، وهو (795 كلغ).

كما أن الفريق عانى من بعض المشاكل على صعيد الموثوقية، خصوصًا مع تعطل علبة التروس مع سيرجيو بيريز، وبالتالي هناك بعض التساؤلات إن كانت المنافسة على اللقب حتى اللفة الأخيرة، حرفيًا، العام الماضي قد أدت إلى عدم العمل بأفضل طريقة ممكنة على السيارة.

لكن بالتأكيد، مع هذا التصميم المبتكر للسيارة، ومع أحد ألمع العقول في الفورمولا 1 الممثلة بـ أدريان نيوي، لا يمكن الاستهانة بفريق ريد بُل إطلاقًا، وسيكون عليهم معالجة بعض المشاكل البسيطة ليتمكنوا من إطلاق العنان لسيارةٍ مميزة بتصميمها الانسيابي بالفعل، علمًا أنه، وكما هو الحال مع مرسيدس، فإن هناك شائعات بأن الفريق سيجلب حزمةً من التحديثات الجذرية في تجارب البحرين.

المجموعة الثانية

في المجموعة الثانية، هناك فريقان، لا يمكن القول بأنهم بمستوى الفرق الأربعة الأولى، ولكن تجاربهم لم تكن سيئةً على الإطلاق.

بالنسبة لأحدهما، فريق ألفا تاوري، فإن التجارب لم تكن مثيرةً للاهتمام بالنسبة لهذا الفريق، الذي يعتمد تصميم مقدمة عريض، نسبيًا، مقارنةً مع منافسيه. كما كان هناك نوع من الغموض في أداء هذا الفريق، الذي بدت سيارته عصبيةً مع عدم استقرار القسم الخلفي، وتعرض سائق الفريق بيار غاسلي لحادثٍ إثر خطأ قيادي بسبب عدم إمكانية السيطرة على السيارة طوال الوقت.

أما الفريق الآخر، فهو فريق ويليامز، الذي يعتبر تقدمه إلى هذه المجموعة تقدمًا مثاليًا مقارنةً مع ما مر به الفريق من تدهورٍ ملحوظ في الأداء عامًا تلو الآخر منذ 2018، وهناك بوادر أن استثمارات المالكين الجدد بدأت تؤتي بثمارها، حيث لم يواجه الفريق أية مشاكل تُذكر خلال أيام التجارب، ولكن على صعيد السرعة فإنه لم يكن بمستوى مرسيدس، فيراري، ريد بُل، وماكلارين (بغض النظر عن الترتيب).

المجموعة الثالثة

يمكننا إطلاق صفة “خيبة الأمل” على هذه المجموعة، إذ أن الفرق الأربعة هنا مرت بتجارب شتوية سيئة جداً.

البداية مع فريق ألبين، الذي يعتبر تواجده هنا كارثيًا بكافة المقاييس. الفريق عانى بشكلٍ كبير في التجارب، مع عدم إمكانية تفعيل نظام التخفيف من قوة السحب ‘دي أر أس’، والاقتصار في التجارب مع كمية كبيرة من الوقود وبالتالي عدم إمكانية تقييم أداء السيارة، بالترافق مع مشاكل الموثوقية التي أدت إلى انفجار محرك السيارة وانتهاء التجارب باكرًا في اليوم الأخير.

بصراحة، تواجد فريق ألبين كأحد أسوأ الفرق في موسم 2022 مفاجئ جدًا. هذا الفريق يعتبر من فرق الصانعين، كما هو الحال مع مرسيدس، فيراري، وريد بُل أيضًا في ظل استخدام وحدات طاقة هوندا تحت علامتهم التجارية.

الفريق يعاني، بشكلٍ غريب، من اندماج في وحدة الطاقة والهيكل، وهو أمرٌ مثير للدهشة نظرًا لأنهما مصنع واحد، ولكن في الوقت ذاته، كانت هناك تصريحات من مدراء الفريق بأنهم يريدون التمتع بوحدة طاقة قوية جدًا بغض النظر عن الموثوقية، حيث يمكن معالجة الأعطال لاحقًا. حسنًا، تأكدنا من مواجهة وحدة الطاقة لأعطال، ويبقى التأكد من قوتها، ولكن بالتأكيد أصبح قرار الاعتزال أسهل بالنسبة لـ فرناندو ألونسو، في حال كان أداء الفريق سيئًا فإنه لن يوافق على “الثقة بالمشروع” وتطوير الفريق للنجاح في السنوات المقبلة.

كما أن فريق أستون مارتن، والذي واجه موسمًا سيئًا العام الماضي، كان من أكثر الفرق معاناةً من مشكلة الارتداد، إضافةً إلى عدم استقرار السيارة وعدم ثقة السائقين بها، ولم يسجل أية تواقيت مثيرة للاهتمام. من المؤكد أنه بوضعٍ أفضل من ألبين، ولربما يكون قريبًا من فرق المجموعة الثانية مع ألفا تاوري وويليامز، ولكنه بالتأكيد كان يأمل تحقيق تقدم أكبر في ظل الاستثمارات الضخمة لـ لورينس سترول.

بالنسبة لفريق ألفا روميو، الأمر الإيجابي، وفقًا لعدة تقارير، أنه الفريق الوحيد الذي لديه سيارة بالحد الأدنى من الوزن، ولكن الفريق عانى، كما هو الحال مع فريق هاس، من العديد من مشاكل الموثوقية ولم يتمكن من استغلال الأيام الأولى من التجارب بشكلٍ جيد، ما يعني تأخرهم بشكلٍ كبير عن المنافسين مع التوجه إلى الأيام الثلاثة المتبقية من التجارب في حلبة البحرين الدولية.

أخبار ذات صلة