رأي: لعنة فيراري، هل يخرج الحصان الجامح من مأزقه؟

لن نكون مخطئين إن قلنا بأن فريق فيراري هو الأكثر شعبيةً، وعراقةً، في تاريخ بطولة العالم للفورمولا 1. لكن، في الوقت الحالي، هذا الفريق يمر بلعنةٍ عانى منها لأعوامٍ طويلة ولم يخرج منها إلا بحلولٍ جذرية في السابق. هل يخرج الحصان الجامح من مأزقه الحالي؟ أم أن حلم الفوز بالألقاب يبقى بعيد المنال بانتظار حل سحري؟ لنتحدث عن ذلك سويةً… 

لنعد بالزمن إلى أوائل ثمانينيات القرن الماضي. أنتَ من مشجعي فريق فيراري، الفريق يحقق نجاحاتٍ كبيرة، وفاز بلقب بطولة العالم للصانعين. إن أخبرك أحدهم أن اللقب المقبل سيكون في 1999، سيبدو ذلك ضربًا من الجنون بالتأكيد…

ولكن، في الواقع، هذا ما حصل. مر الفريق الإيطالي بفترةٍ مظلمة بعد 1983، لم يتمكن خلالها من الفوز بأي لقبٍ. حسنًا، كان الفوز قريبًا في عدة مناسباتٍ، لربما كان أبرزها في 1990 مع ألان بروست، ولكن دون أن تثمر تلك المحاولات عن أية إنجازات هامة، حيث لا يمكن اعتبار أي  إنجاز هام بالنسبة لـ فيراري سوى الفوز بالألقاب.

لم يخرج فريق فيراري من تلك الفترة المظلمة إلا مع وصول “الفريق الذهبي”، بقيادة جان تود، الذي بدأ بوضع أسس النجاح، مع روس براون لقيادة الفريق التقني، البارون الأحمر مايكل شوماخر ليتولى مهام القيادة وتطوير السيارة، والعديد من الجوانب الإضافية التي أدت، في نهاية المطاف، إلى فوز فيراري بكافة ألقاب الصانعين بين 1999 و2004، وألقاب السائقين مع مايكل شوماخر بين 2000 و2004.

ما الذي قام به ذلك الفريق الذهبي؟ ببساطة، قام بتغيير نهج التفكير، قام بتغيير أسلوب العمل، وأسلوب إدارة الفريق، ابتعد عن جوانب العمل “الإيطالية” أو ثقافة اللوم الإيطالية، إن صح التعبير، حيث كان الفريق يواجه حروبًا داخليةً تحول دون نجاحه مع تبادل الاتهامات حول أسباب الفشل دون التعاون لإيجاد حلولٍ.

مرور فريق فيراري بتلك الأعوام المظلمة كان متوقعًا في تلك الفترة. حتى في البلدان “المتقدمة”، في تلك الأعوام، كان من الصعب نقل ثقافات العمل من مكانٍ إلى آخر، كان من الصعب إجراء تغييرات جذرية في الأساليب الإدارية والنهوض بالمنظمات، وفي حالتنا، النهوض بفرق الفورمولا 1.

لهذا السبب احتاج فيراري للفريق الذهبي، لتلك التوليفة السحرية التي تتمتع بخبرة إدارية مختلفة عن أسلوب فيراري، والتي نقلت أسلوبها هذا لتحويل فيراري إلى القلعة الحمراء الشهيرة التي تحصد الألقاب عامًا تلو الآخر.

حسنًا، انتهينا من تلك الرحلة القصيرة عبر الزمن. كان ذلك ممتعًا، أليس كذلك؟ لننتقل الآن إلى 2008. أنت من مشجعي فيراري، لربما واجهتك خيبةُ أملٍ في جائزة البرازيل الكبرى بعد خسارة فيليبي ماسا للقب بطولة العالم للسائقين بأسلوبٍ مؤلم، ولكن الفريق فاز بلقب الصانعين، وفي العام السابق فاز بلقب الصانعين، وفاز بلقب السائقين أيضًا مع كيمي رايكونن.

لكن بكافة الأحوال، سيكون هناك تفاؤل أن بإمكان فيراري تعويض خيبة الأمل هذه في المواسم التالية، أليس كذلك؟ لا، في الواقع. ها نحن هنا الآن، في 2022، وفريق فيراري لم يفز بأية ألقابٍ عالمية منذ ذلك السباق الختامي لموسم 2008.

كان فريق فيراري قريبًا جدًا من الفوز بألقابٍ منذ ذلك الحين، فقط اسألوا فرناندو ألونسو عن ذلك وعن معارك 2010 و2012 الأسطورية، ولكن في نهاية المطاف، لا أحد يتذكر سوى الفائز باللقب، لا أحد يتذكر صاحب المركز الثاني.

ما الذي حصل إذًا؟ هل عاد أسلوب العمل غير الناجح؟ كيف يمكن أن يعود هذا الأسلوب بالعمل في ظل الانفتاح المذهل الذي يشهده عالمنا الحالي، وإمكانية نقل الأساليب الإدارية الناجحة وتدريسها في مختلف أنحاء العالم، لضمان اعتماد المناهج التي أثبتت جدارتها؟

لربما لا يواجه فريق فيراري الكوارث الإدارية التي كان قد مر بها في السابق، ولكن، بالتأكيد، هناك مشاكل جذرية في أسلوب إدارة الفريق، في أسلوب التعامل مع المشاكل، في نهج التفكير لإيجاد الحلول لهذه المشاكل. هذا الأمر يشمل أسلوب تصميم السيارة، خصوصًا ما حصل في عامَي 2020 و2021.

وبذلك، نصل إلى 2022. في الموسم الحالي، بدأ الفريق الإيطالي الموسم بقوة، وكانت هناك بوادر مشجعة جدًا حول إمكانية نهوض الفريق، والعودة للمنافسة بشكلٍ جدي على الألقاب ضد منافسٍ شرسٍ: فريقٌ يشتهر بوتيرته التطويرية المذهلة خلال الموسم، فريق ريد بُل، وسائقٌ فاز العام الماضي بلقب بطولة العالم بعد منافسةٍ ملحمية ضد أحد أنجح السائقين في تاريخ الفورمولا 1، ويشتهر بلقب ‘الأسد الهولندي’.

لطالما أشار كاتبُ هذه الزاوية، خلال العامين الماضيين ومع تأكيد فيراري أن عينهم على الحقبة الجديدة التي انطلقت في 2022، بأن فريق فيراري بحاجةٍ لأكثر من مجرد سيارة سريعة للمنافسة على الألقاب والفوز بها، بحاجةٍ لأسلوب إداري جديد، بحاجةٍ لمرونة في إدارة السباقات والتعامل معها.

وبعد البوادر الإيجابية في بداية الموسم، بدأنا نرى المآزق التي يقع فيها فريق فيراري: مشاكل الموثوقية المتكررة، والتي تندرج تحت إدارة السباقات وأسلوب التخطيط في تصميم السيارة ووحدة الطاقة الخاصة بها، ومشاكل اتخاذ القرارات الاستراتيجية التي كلفت فريق فيراري الكثير.

جولةً تلو الأخرى، وبعد أن كان فريق فيراري يعدُ بإسعاد جماهيره ‘التيفوزي’ من مختلف أنحاء العالم بإمكانية الفوز بألقابٍ عالمية طال انتظارها، ها نحن الآن بعد 8 جولاتٍ في موسم 2022، نتحدث عن إمكانية انتهاء حظوظ فيراري للمنافسة على اللقب بالكامل، في ظل تكرار مشاكل الموثوقية والاستراتيجية والتأخر بفارق ملحوظ عن ماكس فيرشتابن.

ما هو الحل، إذًا؟

الحل يكمن الآن في أسلوب إدارة ماتيا بينوتو للفريق، أسلوب التعامل مع المأزق الحالي، عليه عدم الهلع، عليه ضمان عدم وجود تبادل للاتهامات بين مختلف الأقسام، حيث ذلك سيكون مكلفًا وسيصبح إيجاد الحلول أصعب بالتأكيد. لكن، بدلًا عن ذلك، على بينوتو العمل على توحيد الفريق، والمحافظة على تركيزه سعيًا لإيجاد الحلول.

هل يحتاج فريق فيراري لتغييراتٍ جذرية وخروج التوليفة الحالية مقابل استقدام “فريق حلم” جديد؟ لا، هذا مستبعد جدًا. الفريق يعتمد، منذ عدة أعوامٍ، على عناصره الداخلية وخبرائه لتحسين مستوى الأداء، وهم أثبتوا أن لديهم القدرة لتحسين الأداء بالفعل، ولكن يبقى الآن وجود قائد يمكنه ضمان مواصلة بذل هذا الفريق لجهودٍ غير منقطعة وعدم اعتبار النجاح أمرًا مسلمًا به، وإنما يحتاج لمواصلة العمل دون توقف حتى نهاية الموسم.

فريق فيراري يمر بمرحلةٍ حرجة بالتأكيد. جولةً تلو الأخرى، يتسع الفارق إلى ريد بُل، وقد نصل إلى مرحلةٍ يصبح فيها تقليص هذا الفارق صعبًا، ولكن بالتأكيد لم يحن وقت الاستسلام بعد. إلا أن عدم تدارك نقاط الضعف الحالية، قد يعني أن عشاق فيراري سينتظرون لمزيدٍ من الوقت قبل الاحتفال بنجاح فريقهم وفوزه بألقاب بطولة العالم.

أخبار ذات صلة