زاوية: من هنا يأتي عشق الـ فورمولا 1 وموناكو

تتجه بطولة العالم للفورمولا 1 إلى حلبة موناكو نهاية الأسبوع الحالي، في مونتي كارلو، لسابع جولات موسم 2022. قد تختلف وجهات النظر حول موناكو، هل تستحق التواجد في الفورمولا 1؟ هل يجب التخلي عنها؟ هل السباقات فيها مملة؟ قد تكون كافة وجهات النظر محقة، ولكن، لنكتشف سويةً سحر تلك الحلبة الضيقة والأبطأ على روزنامة البطولة…

لا يمكن الحديث عن بطولة العالم للفورمولا 1 بدون التطرق إلى موناكو، وبالتالي، قبل التطرق إلى تلك الإمارة الساحرة، لا بد لنا من التحدث عن الأسباب التي تدفعني، وتدفع جميع المشجعين، لعشق الفورمولا 1 وللتمتع بذلك الشغف تجاه الفئة الملكة لرياضة المحركات.

ما الذي يدفعنا إلى متابعة الفورمولا 1؟ ما الذي يدفعنا إلى التشجيع، الاستمتاع، ومتابعة آخر تطورات تلك البطولة لحظةً بلحظة؟ إنه الانتباه إلى التفاصيل، فكرة أن كل فريق لديه عدد هائل من الموظفين، المهندسين، الميكانيكيين، الأخصائيين، الذين يتعاونون ويبذلون جهودًأ لا يمكن وصفها سوى بأنها جبارة، ولماذا؟ فقط سعيًا لتحسين أداء السيارة، فقط بهدف ضمان تمتع السائقين بسيارةٍ تنافسية يمكنهم من خلالها تسجيل أفضل النتائج.

كل فريق في الفورمولا 1 يبذل أقصى ما لديه لتطوير السيارة وجلب قطع جديدة، تلك القطع قد تتمثل بتعديل لبضعة سنتمترات في إحدى القطع، من شأنها إحداث نقلة نوعية في الأداء، ومن هنا يأتي الاهتمام بمثالية العمل في الفورمولا 1، تلك التفاصيل البسيطة التي ستصنع فارقًا كبيرًا في الأداء.

ومن ثم، يأتي وقت الاختبار في الحلبة، وقت الحصة التأهيلية، السباق، وتأتي تلك المشاعر التي لا بد أن يكون كل مشجعٍ للفورمولا 1 قد مر بها، بمختلف ظروفها، من الإثارة، القشعريرة، السعادة بالنتائج القوية، الدموع (سواءً كانت دموع الفرح أم الحزن)، الآلام، والدراما.

لربما، في سباقٍ واحدٍ، قد يمر مشجع الفورمولا 1 بمختلف تلك المشاعر، هذه هي دراما السباقات، هنا يأتي تعلقنا بالبطولة، وتعلق المشجعين بسائقهم المفضل، أو فريقهم المفضل.

في هذه الزاوية، قد أتحدث من وجهة نظرٍ شخصيةٍ، لم أعتد على القيام بها، ولربما لم يعتد كل من يتابع موقع AutosportME.com هذا النهج.

لم أكن من أبرز المعجبين بما حصل في جائزة أبوظبي الكبرى العام الماضي، ولهذا السبب لا أحبذ الحديث عنها طوال الوقت. لماذا؟ هل لأنني أشجع سائقًا على الآخر؟ إطلاقًا، لنكون واضحين، لويس هاميلتون وماكس فيرشتابن استحقا، وبكل جدارة، الفوز بلقب بطولة العالم للفورمولا 1 العام الماضي، ففي حين تألق هاميلتون، خصوصًا في النصف الثاني من الموسم، علينا ألا ننكر النقاط الثمينة التي خسرها فيرشتابن بسبب الحوادث ومشاكل الموثوقية من جهة، فضلًا عن الأداء المميز في كافة السباقات التي أنهاها.

ولكن تلك الدراما التي شهدها سباق أبوظبي، وأسلوب تطبيق القوانين بشكلٍ مثيرٍ للجدل، أدى إلى وجود انقسام بين مشجعي الفورمولا 1، انقسامًا أصبح حادًا بمرور الزمن. ذلك الانقسام، برأيي، كان حتميًا بسبب حدية المعركة على ألقاب العام الماضي.

بسبب المستويات العالية، بسبب النتائج المذهلة، بسبب الأداء المميز لكل من لويس هاميلتون وماكس فيرشتابن العام الماضي، والتوجه إلى جولة أبوظبي الختامية مع التعادل في النقاط، انعدام فارق النقاط بينهما بعد 21 جولة (!)، كان من البديهي والحتمي أن نتيجة معركة اللقب ستكون مخيبةً للآمال لأحد الأطراف، هذا بديهي، ولكن ما حصل من دراما تطبيق القوانين هو الذي أدى إلى وجود بعض الانعكاسات السلبية لنهاية دراماتيكية لموسمٍ كان خياليًا للفورمولا 1.

من الطبيعي تشجيع سائق على آخر، من الطبيعي أن يكون لكل شخصٍ قدوة، أو أبطال، يأمل تألقهم وتغلبهم على الجميع. لكن، في الوقت ذاته، من غير المنطقي أن يؤدي ذلك التشجيع إلى حقدٍ على الطرف الآخر.

سنعود، مرةً أخرى، للحديث عن أسباب عشقنا للفورمولا 1. كل مشجعٍ للفورمولا 1 يدرك أن تلك السيارات أحادية المقعد مذهلة، تحفة فنية، لا يمكن قيادتها بسهولة، أو لربما يستحيل قيادتها لمتابعٍ عادي، هناك جهود جسدية ومستويات لياقة بدنية عالية جدًا ليتمكن السائق من القيادة واستخراج أقصى قدراتها، والضغط للتمتع بأفضل مستويات الأداء.

بالتالي، لا يمكن إنكار مستوى كل سائقي الفورمولا 1، بدون استثناء، لقيادة تلك السيارات في مختلف حلبات العالم، بغض النظر عن هوية السائق الذي تشجعونه.

في نهاية المطاف، هؤلاء هم أفضل 20 سائق في العالم. بغض النظر عن نشاطاتهم خارج الحلبة، بغض النظر عن توجهات كل سائق، ما يهمنا هو ما يقوم به كل سائق أثناء جلوسه في مقصورة قيادة سيارته وتوجهه إلى الحلبة، وإدراك أن هؤلاء السائقين هم الأفضل في العالم، سواءً أحببناهم أم لا.

ربما الفورمولا 1 هي الرياضة الأكثر حصريةً في العالم، فقط 20 متسابق يحق لهم القيام بها كسائقين أساسيين! لذلك، جميعهم نجوم، جميعهم مميزون، وجميعهم أقوياء، حتى أولئك الذين ربما أصبحت هوايتهم التسبب بحوادث وخلط الأوراق في السباقات بسبب رفع الأعلام الصفراء…

جميعهم موهوبون، وجميعهم مميزون ويستحقون التواجد في الفورمولا 1 بغض النظر عن النتائج التي يحققونها. ولا تأتي نجاحات أي أحدٍ عن طريق “الحظ”، وإنما هي جهود جبارة، من مختلف الأقسام التي ذكرناها سابقًا، وهي ساعات وساعات وساعات طويلة جدًا من العمل المتواصل سعيًا لتصميم أفضل سيارة ممكنة، تترافق مع الجهود الجبارة التي يبذلها السائق ليتمكن من التأقلم مع تلك السيارة واستخراج أقصى قدراتها وتحقيق أفضل نتيجة ممكنة لتعكس جهود فريقه.

مرةً أخرى، سأتحدث من وجهة نظرٍ شخصية، لأقول أنني آمل أن تعشقون الفورمولا 1 بكافة تفاصيلها، وأن ترونها كما آراها، مع إدراك موهبة وجهود كافة السائقين، وكافة الفرق. عندها، حتى وعند عدم فوز أو نجاح سائقكم وفريقكم المفضلين، ستتمكنون من الاستمتاع بالنتائج مهما كانت، وستُعجبون بما قام به الفائزون بغض النظر عن تشجيعكم لهم، حتى وإن ترافق ذلك مع خيبة أمل عدم نجاح من تشجعونهم.

الفورمولا 1 رائعة، بكافة تفاصيلها، ومن هنا سنعود للحديث عن موضوعنا الأساسي، ألا وهو حلبة موناكو، التي تعكس مثالية الفورمولا 1 مع ضغط كافة السائقين إلى أقصى الحدود في الشوارع الضيقة لتلك الإمارة الساحرة، الاقتراب من الحواجز المعدنية على سرعاتٍ جنونية، سعيًا للفوز بسباقٍ يُعتبر ‘جوهرة’ الفورمولا 1.

قد تكون التجاوزات فيها صعبةً، قد تكون السباقات (أحيانًا) غير درامية، ولكن لـ موناكو سحر مميز لا يمكن إنكاره، ولا يمكنني التفكير بإمكانية استبعاد هذه الجولة عن روزنامة الفورمولا 1 في المستقبل.

إذ أن هذه الحلبة، بالنسبة لي، ستبقى مميزةً بحكم أن أول سباقٍ تابعته كان عبر شاشات التلفاز، ألا وهو سباق موناكو 2000، وهو سباقٌ كان كافيًا ليجعل من الفورمولا 1 شغف حياتي الذي أسعى دومًا لمتابعة آخر تفاصيله، لأكون محظوظًا بإمكانية مشاركتكم هذا الشغف يومًا تلو الآخر…

أخبار ذات صلة